ابن الحسن النباهي الأندلسي
50
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
تعفيني ؟ » فقال له : « نعم » فدلّه عيسى بن مسكين . وكان بالحضرة حمديس ، فقال : « إنه ، واللّه أيها الأمير ، صاحبنا عند سحنون . جمع اللّه فيه خلال الخير بأسرها » فأرسل فيه إبراهيم إلى كورة الساحل ، وأوصله إلى نفسه ، وقال : « تدري لم بعثت لك ؟ » قال : « لا » . قال : لأشاورك في رجل قد جمع اللّه فيه خلال الخير . ، أردت أن أولّيه القضاء ، وألمّ به شعث هذه الأمّة ؛ فامتنع » . قال : « يلزمه أن يلي » . قال : « تمنّع » . قال : « يجبر على ذلك » قال : « تمنّع » . قال : « يجلد » قال : « قم ! فأنت هو ! » . قال : « ما أنا الذي وصفت » وتمنّع . فأخذ الأمير بجامع ثيابه ، وقرّب السيف من نحره ؛ فتقدّم إليه بخنجره . قال حمديس : « وكنت في المجلس ؛ فقمت من مكاني ، لئلّا يصيبني من دمه » . فلم يزل به حتى ولي على شروط ، منها قال له : « استعفيك في كلّ شهر » قال : « نعم » قال : « وأجعلك ، وبني عمّك ، وجندك ، وفقراء الناس ، وأغنياءهم في درجة واحدة » قال : « نعم » قال : « ولم توجّه ورائي ، وكذا كذا . فمتى لم تف لي بشرط ، علت نفسي » . قال : « نعم » وعرض عليه عند ذلك الكسوة والصّلة ، فامتنع وقال له : « أنا رجل طويل الصمت ، قليل الكلام ، غير نشيط في أمور ، ولا أعرف أهل البلد » فقال له الأمير : « عندي مولّى نشيط ، قد تدرّب في الأحكام . أنا أضمّه إليك ، يكون عنك كتابا يصدر عنك في القول . فما رضيت منه ، أمضيت ؛ وما سخطت ، رددت » . فضمّ إليه عبد اللّه بن محمد بن مفرّج . قال المخبر : « فكثيرا ما كنت آتي مجلسه وهو صامت لا يتكلّم ؛ وابن مفرّج يقضي . وسئل عن فرط انقباضه في قضائه . فقال : « ابتليت بجبّار عنيد ، خفت أن يبعث إليّ من طعامه ، أو يدعوني إليه . ولا آتيه ؛ فحملت نفسي على ذلك ، ليقطع طمعه منّي » . ومن كلام هذا القاضي - رحمه اللّه ! : « من قاس الأمور ، علم المستور . من حصّن شهوته ، صان قدره . في تقلّب الأحوال ، علم جواهر الرجال . الحسن النيّة ، يصحبه التوفيق . المعاش مذلّ لأهل العلم . كفاك أدبا لنفسك ما كرهته لغيرك . قارب الناس في عقولهم ، تسلم من غوائلهم » . وكان ، إذا تحدّث عن أيّام قضائه ، يقول : « كنت في بليّتي . . . » و « كنت أيّام تلك المحنة . . . » . ولما تاب الأمير وتخلّى عن الملك وتوجّه للجهاد ، أتاه عيسى بن مسكين ؛ فقال له : « إنّ اللّه عافاك ممّا كنت فيه ،